مجد الدين ابن الأثير
53
المختار من مناقب الأخيار
بسم اللّه الرحمن الرحيم : من عبد اللّه عمر أمير المؤمنين إلى العاصي ابن العاصي ، عجبت لك يا بن العاص ولجرأتك عليّ ، وخلاف عهدي ، أما إنّي قد خالفت فيك أصحاب بدر ممن هو خير منك ، واخترتك لجزائك عني وإنفاذ عهدي ، فأراك قد تلوثت بما قد تلوثت ، فما أراني إلا عازلك ، فمسيء عزلك ، تضرب عبد الرحمن في بيتك ، تحلق رأسه في بيتك ، وقد عرفت أن هذا يخالفني ! إنما عبد الرحمن رجل من رعيّتك ، تصنع به ما تصنع بغيره من المسلمين ، ولكن قد قلت : هو ابن أمير المؤمنين ، وقد عرفت أن لا هوادة لأحد من الناس عندي « 1 » في حقّ يجب للّه عليه ؛ فإذا جاءك كتابي هذا فابعث به في عباءة على قتب حتى يعرف سوء ما صنع . فبعثت به كما قال أبوه ، وأقرأت ابن عمر كتاب أبيه ، وكتبت إلى عمر كتابا أعتذر فيه ، وأخبره أني ضربته في صحن داري ، وباللّه الذي لا يحلف بأعظم منه إني لأقيم الحدود في صحن داري على الذّمّيّ والمسلم . وبعثت بالكتاب مع عبد اللّه بن عمر . قال أسلم : فقدم بعبد الرحمن على أبيه ، فدخل عليه وعليه عباءة لا يستطيع المشي من مركبه ، فقال : يا عبد الرحمن ! فعلت وفعلت . عليّ بالسّياط « 2 » . فكلّمه عبد الرحمن بن عوف فقال : يا أمير المؤمنين ! قد أقيم عليه الحدّ مرّة ، فما عليه أن تقيمه ثانية ! فلم يلتفت إلى هذا عمر ، وزبره فجعل عبد الرحمن يصيح : إني مريض وأنت قاتلي . فضربه الثانية الحدّ . ثم حبسه ، ثم مرض فمات « 3 » . وقال الأحنف بن قيس : أخرجنا عمر بن الخطاب رضي اللّه عنه في سريّة إلى العراق ، ففتح اللّه علينا العراق وبلد فارس ، فأصبنا فيها من بياض
--> ( 1 ) في ( أ ) : « لأحد من المسلمين في حق » والمثبت من ( ل ) وابن عساكر . ( 2 ) سقط لفظ « عليّ » من ( ل ) وابن عساكر ، وفي ( أ ) : « بالبساط » . ( 3 ) أخرجه ابن عساكر في تاريخه 53 / 279 ( المختصر 18 / 343 ) .